الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
7
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
طريق عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء بغير هذه الزيادة ، ولكن قال عوضها : « وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولّى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك » ، وأخرجه في كتاب التفسير « 1 » من طريق أبي نعيم عن زهير بدون شيء من هاتين الزيادتين ، والظاهر أن الزيادة الأولى مدرجة من إسرائيل عن أبي إسحاق ، والزيادة الثانية مدرجة من عمرو بن خالد لأن مسلما والترمذي والنسائي قد رووا حديث البراء عن أبي إسحاق من غير طريق إسرائيل ولم يكن فيه إحدى الزيادتين ، فاحتاجوا إلى تأويل حرف الاستقبال من قوله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ بمعنى التحقيق لا غير أي قد قال السفهاء ما ولاهم . ووجه فصل هذه الآية عما قبلها بدون عطف ، اختلاف الغرض عن غرض الآيات السابقة فهي استئناف محض ليس جوابا عن سؤال مقدر . والأولى بقاء السين على معنى الاستقبال إذ لا داعي إلى صرفه إلى معنى المضي وقد علمتم الداعي إلى الإخبار به قبل وقوعه منهم وقال في « الكشاف » « فائدة الإخبار به قبل وقوعه أن العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه » وذكر ابن عطية عن ابن عباس أنه من وضع المستقبل موضع الماضي ليدل على استمرارهم فيه وقال الفخر إنه مختار القفال . وكأنّ الذي دعاهم إلى ذلك أنهم ينظرون إلى أن هذا القول وقع بعد نسخ استقبال بيت المقدس وأن الآية نزلت بعد ذلك وهذا تكلف ينبغي عدم التعويل عليه ، والإخبار عن أقوالهم المستقبلة ليس بعزيز في القرآن مثل قوله : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا . . . فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ [ الإسراء : 51 ] وإذا كان الذي دعاهم إلى ذلك ثبوت أنهم قالوا هذه المقالة قبل نزول هذه الآية وشيوع ذلك كان لتأويل المستقبل بالماضي وجه وجيه ، وكان فيه تأييد لما أسلفناه في تفسير قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ البقرة : 115 ] - وقوله - : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى [ البقرة : 120 ] . والسفهاء جمع سفيه الذي هو صفة مشبهة من سفه بضم الفاء إذا صار السفه له سجية وتقدم القول في السفه عند قوله تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [ البقرة : 130 ] وفائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلوما هو التنبيه على بلوغهم
--> ( 1 ) المصدر السابق ( 8 / 171 ، كتاب التفسير سورة البقرة ( 12 ) باب سَيَقُولُ السُّفَهاءُ إلخ .